منهجية التعليق على قرار قضائي
مقدمة
من بين الدراسات التطبيقية في القانون، يمثل التعليق على الأحكام أو القرارات القضائية أهمّها على الإطلاق.ذلك أن إتقان التعليق على حكم أو قرار قضائي يفترض الإلمام الجيد بالمعارف النظرية و المتعلقة بموضوع التعليق و استيعاب معطيات المنهجية القانونية التي تسمح بتقييم الحكم أو القرار.
هذه المنهجية في التعليق تتخذ مجموعة خطوات ومراحل تسمح في الأخير بتقديم دراسة تحليلية نقدية للموضوع محل التعليق، بحيث يتعرف الطالب الباحث القرار أو الحكم القضائي بكل عناصره (المبحث الأول)، ثم بعد ذلك ينطلق في مرحلة تعد أكثر جدية في التحليل بحيث يجمع بين معارفه النظرية وما يحتويه القرار القضائي ليصل في الأخير إلى نتيجة منطقية بناء على تتبع تلك المراحل (المبحث الثاني).
لأجل التعرف على منهجية التعليق على قرار قضائي يستوجب ذلك طرح إشكال قانوني كالتالي:
في ما تتمثل منهجية التعليق على قرار قضائي؟
المبحث الأول:مفهوم التعليق على قرار قضائي
يسعى الطالب الباحث من خلال التعرف على مختلف أنواع تقنيات التعليق بفتح أفق التحليل والنقد لديه بما يغني مداركه العلمية ويحسن أسلوبه العلمي القانوني، لهذا تستوقفنا دراسة منهجية التعليق على قرار قضائي، لكن لابد أولا من الخوض في تعريف القرار القضائي بما يسمح بمعرفة مكوناته ومفهومه (المطلب الأول)، ثم التطرق بعد ذلك لمفهوم التعليق على القرار القضائي باعتباره مفهوما جديدا يتعرف عليه الطالب خلال مشواره الدراسي القانوني (المطلب الثاني).
المطلب الأول: التعريف بالتعليق على قرار أو حكم قضائي
تصدر الجهات القضائية المختصة قرارات وأحكام بشأن قضايا تعرض عليها، وذلك للفصل فيها استنادا لأحكام قانونية عادلة، تختلف هذه القرارات والأحكام باختلاف الجهات المصدرة لها، بناء على ذلك وجب التطرق لتعريف القرار والحكم القضائي (الفرع الأول)، ثم الخوض في خصائص الاحكام والقرارت القضائية (الفرع الثاني) واخيرا تطرقنا إلى عناصر القرار أوالحكم القضائي (الفرع الثالث).
الفرع الأول: تعريف القرار القضائي
لا يختلف الحكم والقرار من ناحية الهيكل والتكوين إلا أن هناك فروقات جوهرية شكلية، وموضوعية فيما بينهما، فالتفرقة بين الحكم والقرار تفرقة شكلية تقوم على طبيعة ودور القرار الذي يصدر مثلا عن المحكمة العليا فهو لا يتعرض لموضوع النزاع إنما يقف فقط عند مدى صحة تطبيق القانون على الوقائع التي استخلصها قاضي الموضوع، أما الحكم والقرار اللذان يصدران عن جهة الاستئناف فهما يفصلان في النزاع بتطبيق القانون من ناحية الموضوع.
كل من الحكم والقرار يعتبران تطبيقا للقانون كما سبق القول، ويعتبران من الأعمال القضائية الحقيقية بمعنى مهام السلطة القضائية في تطبيق القانون على المنازعات التي تثور بين الأفراد.
الفرع الثاني: خصائص الأحكام والقرارات القضائي
بناء على ما تقدم فإن الأحكام والقرارات تجمعهما عدة خصائص ومزايا تجعل التفرقة بينهما أمر نسبي، نذكر منها[1]:
- وحدة الشكل.
- وحدة الموضوع وهو الفصل في المنازعات سواء في الدرجة الدنيا على مستوى قاضي الموضوع أو على المستوى الأعلى لدى قاضي مراقبة تطبيق القانون.
- وحدة الإجراءات مثل العلنية وانعقاد الخصومة وسير الدعوى، والتحضير لها والفصل فيها.
- وحدة القانون الواجب التطبيق.
- عتبار الحكم أو القرار نصا واحدا متكاملا وأي تعليق عليه يجب أن يتناوله برمته[2].
الفرع الثالث: عناصر القرار القضائي
يتضمن الحكم أو القرار القضائي بالضرورة:
- الديباجة والتقديم[3].
- تعريف النزاع المطروح من خلال الوقائع التي تدل عليه وتثيرها طلبات الخصوم أو الأطراف.
- الحيثيات وهي عادة ما تمثل المسائل التي يراها القاضي جوهرية، وتمثل تحليل القاضي للوقائع والطلبات والد فوع.
- منطوق الحكم أو القرار وهو حل قضائي بتطبيق القانون على النزاع المطروح أو المشكل المثار في النزاع[4].
المطلب الثاني: التعريف بالتعليق على قرار قضائي
لتقديم تعريف أي مصطلح كان قانونيا أو علميا بحثا، ينبغي الخوض في مقصوده (الفرع الأول)، فضلا عن التطرق لعناصر مكونة له تقرب الصورة لذهن القارئ عن الشيء المراد تعريفه (الفرع الثاني).
الفرع الأول: المقصود بالتعليق على قرار قضائي
يقصد بالتعليق على قرار قضائي مناقشة الطالب للقرار القضائي ونقده والتعرف على المشكل القانوني الذي يثيره النزاع، فضلا عن اتخاذ مواقف إيجابية من الأفكار والأعمال والمذاهب والأحكام وما إلى ذلك[5].
الفرع الثاني: أهمية التعليق على قرار قضائي
للتعليق على القرار القضائي أهمية بالغة، بحيث يمثل أحد الأساليب الناجعة لتدريب الطالب على المنهج العلمي في المناقشة والبحث، كما تعود الطالب على أساليب التفكير العلمي واكتساب قدرات التعليق والبحث.
وكما يسمح بالتعليق على مسعى القاضي والتعرف على كيفية دراسته للنزاع و ماهي الأدلة التي اعتمد عليها في ذلك والقواعد والمناهج التي طبقها على مختلف وقائع القضية وكيفية رده على طلبات الخصوم ومن خلال رصده للمشكل القانوني المطروح في النزاع ثم أخيرا الحل الذي قرره من حيث أسسه الواقعية والقانونية[6].
المبحث الثاني: خطوات منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية
على غرار منهجية تحليل النصوص القانونية، تنقسم منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية إلى مرحلة تمهيدية (المطلب الأول) ومرحلة تنفيذية (المطلب الثاني)، فيما يلي تفصيل ذلك:
المطلب الأول: المرحلة التحضيرية للتعليق على قرار قضائي
تتضمن المرحلة التمهيدية عدة خطوات مهمة، بناء على هذه الأخيرة يتمكن الطالب من الانطلاق في عملية التحرير بعد أن يكون قد فهم مضمون القرار والمشكل القانوني الذي يثيره، وذلك انطلاقا من القراءة والاطلاع على الحكم (الفرع الأول)، وذكر المشكل القانوني المطروح للنزاع (الفرع الثاني)، إضافة إلى وضع خطة التعليق (الفرع الثالث).
الفرع الأول: مرحلة القراءة والاطلاع على القرار القضائي
تعتبر مرحلة القراءة أهم مرحلة من مراحل التعليق على القرار القضائي[7]، بحيث تسمح هذه المرحلة بالتعرف على مختلف عناصر القرار أو الحكم القضائي وجوهره، بحيث تتضمن مايلي:
أولا: التعرف على الحكم أو القرار من كل جوانبه مثل ديباجة الحكم.
ثانيا: ذكر الوقائع[8]التي اعتمد عليها الحكم أو القرار، وهنا على الطالب الباحث مراعاة ما يلي:
- ألاّ يستخرج الباحث إلاّ الوقائع التي تهم في حل النزاع ، فمثلا إذا باع "أ" ل"ب" سيارة، و قام "أ" بضرب "ب" دون إحداث ضرر، و نشب نزاع بينهما حول تنفيذ العقد، فالقرار يعالج المسؤولية العقدية نتيجة عدم تنفيذ التزام إذن لا داعي لذكر الضرب لأن المسؤولية التقصيرية لم تطرح.
- و إن كان يجب عدم تجاهل –عند القراءة المتأنّية- أيّ واقعة لأنه في عمليّة فرز الوقائع، قد يقع المعلّق على واقعة قد تكون جوهرية، و من شأنها أن تؤثر في الحلّ الذي وضعه القاضي إيجابا أو سلبا.
- لابدّ من استخراج الوقائع متسلسلة تسلسلا زمنيّا حسب وقوعها، و مرتبة في شكل نقاط.
- الابتعاد عن افتراض وقائع لم تذكر في القرار.
ثالثا: ذكر طلبات وادعاءات[9] كل طرف ومع جميع الدفوع الموضوعية والقانونية.
الفرع الثاني: ذكر المشكل القانوني المطروح للنزاع
تمكن هذه الخطوة الطالب من فهم جوهر القرار أو الحكم القضائي والمتمثل في[10]:
- ذكر الأسباب التي كانت وراء النزاع.
- الحيثيات التي اعتمد عليها القاضي في الفصل في النزاع.
- الحل القانوني الذي جاء في الحكم أو القرار.
الفرع الثالث: وضع مخطط التعليق
وهي بداية العمل الحقيقي للطالب الباحث في التعليق على القرار أو الحكم. وهذه المرحلة تبنى على المرحلة السابقة الذكر، ومن ثم فإن النتائج المتوخاة والمراد التوصل إليها تتوقف على مدى التحكم فيها[11].
وتأخذ مرحلة وضع الخطة تسمية البناء التقني لأنها تعتبر أساسية قبل الشروع في التحرير والصياغة، وتتميز بالدقة وضرورة الضبط وتحقيق التوازن في تعريف وتصنيف الأفكار، فهي عملية منهجية مقتضاها القيام بعمل عقلي وتطبيقي الهدف منه دراسة عمل القاضي وتقييمه في ميزان العقل والمنطق والواقع[12].
ومن المؤكد أن هذا البناء التقني للإجابة أو التعليق هو الذي يحدد طبيعة النتائج المتوصل إليها من الدراسة والتحليل والملاحظة[13].
المطلب الثاني: المرحلة التحريرية
انطلاقا من مرحلة القراءة والاطلاع على حكم أو قرار قضائي يستعد الطالب باطمئنان للشروع في صياغة النتائج في شكل دراسة منهجية في خطة دقيقة تجمع كل الأفكار المثارة في القرار أو الحكم محل الدراسة لتقديم إجابة دقيقة عن السؤال الذي تضمن المشكل القانوني سبب القرار، وذلك جله يتم عرضه من خلال مقدمة موجزة عن موضوع القرار (فرع أول)، ثم صدر الموضوع (فرع ثاني، وفي الأخير خاتمة تلخص نتائج متحصل عليها من خلال التعليق على الحكم (فرع ثالث).
الفرع الأول: مقدمة موجزة عن موضوع القرار
المعروف عامة أن أي بحث كان علميا أو أدبيا يفتتح بمقدمة تعبر عن الإطار العام له، بحيث تشتمل على عناصر مهمة تجعل عرض الموضوع سهلا على أي باحث، إذ تمهد الكلام في الموضوع بشكل عام مختصر.
وغالبا تحدد للمقدمة أربعة وظائف في مجال التعليق على قرار قضائي من خلال[14]:
- عرض موضوع التعليق في عبارة مختصرة.
- طرح الإشكال أو المشكل القانوني الذي يثيره الحكم أو القرار.
- طرح تساؤلات حول مختلف الأوجه الممكنة المتعددة للمشكل القانوني بمعنى تساؤلات عن الأوجه المختلفة للمشكل القانوني.
الفرع الثاني: الموضوع
إن صلب الموضوع في أية دراسة أو تحليل مهما كانت طبيعة الموضوع، هو حقيقة صلب الدراسة وجوهرها وهدفها، ولأن المقدمة كما أوضحنا لا يتعدى دورها مدخل وطرح الإشكال أو المشكل القانوني حسب الحال.
حيث تتم في صلب الموضوع جميع العمليات النقدية والتحليلية واللجوء إلى المقارنات والاستدلالات، وتطبيق المناهج المتعددة والقواعد المختلفة على مستوى الألفاظ والدلالات والصياغة القانونية وفنونها ومذاهب تفسير جوهر القانون ثم استعمال قواعد المنطق والتشريع والسوابق القضائية أغلب مناهج البحث والدراسة.
وبناء على ما تقدم يتم تحليل الحكم من خلال استعراض وقائع النزاع، طلبات الخصوم ثم الحل القانوني الصادر عن المحكمة أو المجلس، بعد ذلك يقوم الطالب بمناقشة الحكم أو القرار وتقييمه[15].
إن هذه المرحلة تنتهي عادة بعد طرح جميع قضايا الحكم أو القرار، ومقارنتها بالآراء المختلفة المتداولة في الموضوع، من نقد وتصويب وإتقان واختلاف مع نتائج الحكم أو القرار، وموقف المشرع ككل والاجتهاد القضائي في الموضوع، وتخلص إلى تأييد مسعى القاضي أو رفضه بأدلة دامغة مما سبق ذكره عند المقارنة والتحليل والاستدلال، وربما انتهى باقتراح حل بديل.
الفرع الثالث: خاتمة التعليق على القرار القضائي
إذا وصل الطالب الباحث إلى الخاتمة فإنه بذلك يكون قد انتهى من انجاز تعليقه، والواقع أن الخاتمة تعتبر مرحلة منهجية في الإنجاز ولكن لا تدخل بصفة أساسية في التعليق، لأن التعليق كما قلنا يبدأ وينتهي في صلب الموضوع، لذلك فإن الخاتمة لا يجب أن تكون ترديدا لما جاء في صلب الموضوع، إنما هي عرض لمنهجية البحث وخطواتها وحصر النتائج التي توصل إليها الباحث، وهي باختصار جواب عن كيفية قيام الباحث بإنجاز التعليق أو البحث.
وفقا لكل ما ذكر، يختم المعلق تعليقه على القرار إما بتأييده أو معارضته مع عرض البديل[16].
الخاتمة
في الأخير نخلص إلى أن التعليق على قرار أو حكم قضائي ما هو إلا منهجية معتمدة على تقنيات منطقية بمراحل منهجية، تسمح هذه الأخيرة للطالب الباحث بالتعرف على مختلف عناصر القرار أو الحكم القضائي بما يزيل ذلك الغموض الذي يحيط بمفهومه، فضلا عن تعلم منهجية التفكير القانوني وتعويد العقل على التحليل والنقد البناء، ليزيد في قدرات الطالب في التحليل وعرض الأفكار المختلفة انطلاقا من ربطه بين ما درسه في الدروس النظرية، وماهو على أرض الواقع من منازعات تصل للقضاء ليفصل فيها بأحكام أو قرارات تجمع بين أسانيد قانونية ووقائع يسردها أطراف الخصومة.
قائمة المراجع
اولا: الكتب
1. تومي أكلي، مناهج البحث وتفسير النصوص في القانون الوضعي والتشريع الإسلامي، د ط، دار بيرتي، الجزائر، د س سن.
2. سويقي حورية، الوجيز في منهجية التفكير القانوني والبحث العلمي، دار هومة، الجزائر، 2018.
3. طاليس صالح، المنهجية في دراسة القانون، مكتبة زين الحقوقية، دب ن، 2010.
4. غناي زكية، منهجية الأعمال الموجهة في القانون المدني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005.
الهوامش
[1] تومي أكلي، مناهج البحث وتفسير النصوص في القانون الوضعي والتشريع الإسلامي، د ط، دار بيرتي، الجزائر، د س سن، ص239.
[2] تومي أكلي، مرجع سابق، ص240.
[3] سويقي حورية، الوجيز في منهجية التفكير القانوني والبحث العلمي، دار هومة، الجزائر، 2018، ص154.
[4] تومي أكلي، مرجع سابق، ص240.
[5] تومي أكلي، مرجع سابق، ص240.
[6] طاليس صالح، المنهجية في دراسة القانون، مكتبة زين الحقوقية، دب ن، 2010، ص241.
[7] غناي زكية، منهجية الأعمال الموجهة في القانون المدني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005، 29.
[8] الوقائع هي كلّ الأحداث التي أدّت إلى نشوء النزاع :تصرف قانوني "بيع"، أقوال "وعد"، أفعال مادية "ضرب"
[9] و هي مزاعم و طلبات أطراف النزاع التي استندوا عليها للمطالبة بحقوقهم.
[10] تومي أكلي، مرجع سابق، ص241.
[11] سويقي حورية، مرجع سابق، 155.
[12] غناي زكية، مرجع سابق، ص26.
[13] المرجع نفسه
[14] تومي أكلي، مرجع سابق، ص243.
[15] سويقي حورية، مرجع سابق، ص155.
[16] المرجع نفسه.