تطور قانون الاستثمار في الجزائر
مقدمة
إن الاستثمارات تعد ذات وزن كبير في اقتصاديات الدول، نظرا لكونها ترتبط مباشرة بالنهوض والرفع من اقتصادياتها، وذلك عن طريق تحرير رؤوس الأموال من خلال تحرير السوق، وإن من أهم التحديات التي تواجه معظم اقتصاديات النامية هي كفاية الاستثمار سواء المحلي أو الأجنبي الذي يمكن أن يكفل تحقيق النمو الاقتصادي المنشود، وتعد الجزائر أحد الدول التي عملت على سن العديد من القوانين الخاصة بتنظيم الاستثمارات وتشجيعها وانطلاقا من هذا سنقوم بطرح الإشكالية التالية: في ما تتمثل المراحل التي مر بها تطور قانون الإستثمار في الجزائر؟
المبحث الأول: تطور قانون الاستثمار في الجزائر في ظل الاقتصاد الموجه
المطلب الأول: القانون رقم 63-277 المتضمن قانون الاستثمارات
يعتبر القانون رقم 63-277 أول قانون صدر في هذا المجال، بهدف تحديد الضمانات العامة والخاصة الممنوحة للاستثمار المنتج في الجزائر بالإضافة إلى إلتزامات وحقوق المستثمر هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتحديد الاطار العام لتدخل الدولة في مجال الاستثمار.
نلاحظ من خلال تحليل أحكام القانون رقم 63-277 أنه يتميز بما يلي[1]:
- الاعتراف للمستثمر الأجنبي مهما كانت جنسيته بالحق في الاستفادة من الضمانات و الامتيازات التي يتضمنها قانون الاستثمار، حيث استعمل المشرع عبارة quelle que soit leur origine
- أي مهما كان أصلهم ، للتأكيد على عدم إستثناء المستثمر الفرنسي من مجال تطبيق هذا القانون باعتباره ينتمي للدولة المستعمرة سابقا.
- الاعتراف للمستثمر ألاجنبي شخص طبيعي أومعنوي بالحق في الاستفادة من مبدأ حرية الاستثمار، و هذا بعد الحصول على الترخيص من اللجنة الوطنية لكن بشرط إحترام النظام العام والقانون للاستثمار
- تدخل الدولة للاستثمار في المجالات الهامة بالنسبة للاقتصاد الوطني من خلال إنشاء شركات وطنية أو باستحداث شركات مخططة بالشراكة مع رؤوس الأموال الأجنبية.
لكن لم ينجح هذا القانون في جذب إهتمام المستثمر الأجنبي لعدة أسباب منها عدم اكتساب الجزائر لثقة المستثمرين الأجانب في تلك الفترة باعتبارها دولة فتية حديثة الاستقلال، وكذا لحصر المشرع الجزائري للمجالات المفتوحة للاستثمارّ الأجنبي في القطاعات الثانوية أم الاستراتيجية فلا يمكن له الاستثمار فيها في إطار الشراكة مع الدولة الجزائرية أو أحد المؤسسات العمومية ّ الاقتصادية.
المطلب الثاني: قانون الاستثمار لسنة 1966
بعد فشل قانون الاستثمار لسنة 1963، تبنت الجزائر قانونا جديدا للاستثمار، وهو الأمر رقم 66-284 المتعلق بقانون الاستثمارات، الذي سمح بالاستثمار لكن ليس في اقطاعات الحيوية التي كانت حكرا على الدولة، غير أنه أجزاز للأجانب وحتى الوطنيين بمشاركة الدولة في هذه القطاعات الحيوية بعد الحصول على اعتماد مسبق، أي أن التدخل في القطاعات الحيوية يتم عن طريق الشركات المختلطة التي تكون نسبة مساهمة الدولة فيها أعلى من رأس المال الأجنبي.[2]
المبحث الثاني: مرحلة الاستثمار الخاص الوطني
المطلب الأول: قانون الاستثمار الاقتصادي الوطني لسنة 1982
تناول القانون رقم 82-11 المتعلق بالاستثمار الاقتصاد الوطني الخاص، دور القطاع الخاص الوطني في التنمية االقتصادية، ولقد سمح بالاستثمار في مجالات حددتها المادة 33 منه والتي تتمثل أساسا في:
- اعمال الإصالح الصناعي وصيانة التجهيزات والصناعات الصغيرة والمتوسطة
- نشاط الصيد والمقاولة من الباطن، البناء والأشغال العمومية، أعمال السياحة والفندقة
- النقل البري للمسافرين والبضائع.
هذا وكان الهدف منه حسب ما ورد في المادة الثامنة منه: المساهمة في توسيع القدرات اإلنتاجية نشاء مناصب شغل، وتحقيق التكامل مع القطاع الاشتراكي الوطني ، ومن خلال المساهمة في أنشطة التحويل الصناعي، أيضا المشاركة في تحقيق التنمية الجهوية المتوازنة، وتثبيت السكان في المناطق المحرومة والمعزولة واستعمال الموارد المحلية.[3]
المطلب الثاني: القانون المتعلق بتأسيس الشركات المختلطة للاقتصاد وسيرها رقم 82-13
فبعد أن كان المشرع الجزائري يجمع تنظيم النشاط الاستثماري العمومي والخاص، الوطني منه والأجنبي والمختلط في قانون واحد، ألا وهو الأمر رقم 66-284 ، وانفرد كل من الاستثمار الوطني والاستثمار الأجنبي بقانون خاص لكل منهما، حيث جاء القانون رقم 82-13 ليختص بتنظيم النشاط الاستثماري خارج قطاع المحروقات للأجانب في الجزائر. وبالرجوع إلى نص المادتين الأولى والثانية من هذا النص، نجد مجال تطبيقه ينحصر في الشركات المختلطة، بين طرف أو عدة أطراف عمومية جزائرية وطرف أو عدة أطراف أجنبية، حيث جاءت المادة 22 من النص بهدف حمل المستثمر أجنبي على المساهمة في نقل التكنولوجيا. وعلى ذلك يبدو أن النص رقم 82-13 جاء غير مشجع للمستثمرين الأجانب بل محفزا لهم بالنظر إلى جملة الالتزامات الواقعة على عاتقهم، والأهم حرمانهم من اتخاذ القرارات ذات الصلة بتسيير الاستثمار، بالإضافة على إجبارهم على حل النزاعات الواقعة أمام المحاكم الجزائرية النزعة السيادية، وطبقا للنص الجزائري بدلا من إحالتها على التحكيم الدولي، وهو ما لا يفضله المستثمر الأجنبي[4].
المبحث الثالث: القوانين المنظمة للاستثمار من التسعينات إلى يومنا هذا
المطلب الأول: قانون النقد و القرض
يعتبر القانون رقم 90/10 الصادر في 14 أفريل 1990 والمتعلّق بالنقد والقرض من القوانين التشريعية الأساسية للإصلاحات،فهو يهدف إلى إضفاء الأهمية لمكانة النظام البنكي الجزائري، بالإضافة إلى ذلك يعتبر بمثابة تنظيم جديد لمعالجة ملفات الاستثمارات الأجنبية على مستوى بنك الجزائر، كما اسند لمجلس النقد والقرض مهمة إصدار القرارات المطابقة للمشاريع المقدّمة، ومنه فإنّ قانون النقد والقرض ليس قانونا خاصا بالاستثمار، لكن له علاقة به فهو منظم لسوق الصرف وحركة رؤوس الأموال.
إنّ أول ما جاء به قانون النقد و القرض في مجال الاستثمار الأجنبي هو استبدال معيار الجنسية الذي يفرق بين المستثمرين الأجانب و المستثمرين المحليين، بمعيار الإقامة الذي يفرق بين المقيم وغير المقيم. حيث يرخص لغير المقيمين بتحويل رؤوس الأموال إلى الجزائر لتمويل نشاطات اقتصادية غير مخصصة صراحة للدولة أو المؤسسات المتفرعة عنها أو لأي شخص معنوي مشار إليه صراحة بموجب نص قانوني(33) ،وبذلك فإنّه يمكن للمستثمرين غير المقيمين أن يؤسسوا شركات يملكونها بصفة كلية وبدون مشاركة أو مساهمة من المؤسسات الجزائرية.
كما أنّ هذا القانون في مادته 183 يشجع على إقامة علاقات استثمار بين المتعاملين الوطنيين والأجانب رغبة في خلق مناصب شغل جديدة أو لجلب التكنولوجيا،وفي المادة 184 تم وضع ضمانات فيما يخص طرق نقل وتحويل رؤوس الأموال والمداخل والفوائد للمستثمرين الأجانب،أما بالنسبة للمقيمين في الوطن فيحق لهم تحويل أموالهم للخارج من أجل ضمان تمويل النشاطات التكميلية في الخارج لعملهم في الجزائر.
عطفا على ما تقدم يظهر قانون ناجح من خلال ارتكازه على إهمال التمييز بين الملكيات لرأس المال أو الجنسية،فهذا القانون لا يفرق بين المستثمر الوطني والأجنبي بل يعمّمه إلى مقيم وغير مقيم،وكذلك احتواء القانون على جملة من الضمانات كحرية تحويل الأرباح،فضلا عن ضمانه لاستثمارات أجنبية ذات أثر إيجابي على الاقتصاد الوطني (خلق فرص عمل،نقل التكنولوجيا)[5].
المطلب الثاني: المرسوم التشريعي رقم 93/12
جاء هذا المرسوم التشريعي بعد ثلاث سنوات من صدور قانون النقد والقرض،وهو يبيّن الإرادة الواضحة للدولة من أجل ترقية الاستثمارات،وكذا تحقيق سياسة الانفتاح الاقتصادي،حيث أحدث عدّة تغيّرات،وبذلك فهو يرتكز على ما يلي :
- المعاملة المماثلة لكل المستثمرين على حد سواء.
- إعفاء القطاع الخاص الوطني والأجنبي من القيود التي كانت في ظل القوانين السابقة،فأصبح يتم الاقتصار على التصريح بدلا من إجراءات الموافقة التي كانت من قبل.
- منح العديد من الحوافز والامتيازات للمستثمرين قصد تشجيع وتطوير الاستثمار.
ويلاحظ أنّ هذا القانون فتح المجال لرؤوس الأموال الأجنبية حيث يرخص لها الاستثمار في كل القطاعات لإنتاج السلع والخدمات ما عدا القطاعات الإستراتيجية للدولة كقطاع المحروقات حيث أنّها فتحت مجال المساهمة والشراكة في المشاريع نظرا لحاجة الدولة إلى لاستثمار في هذا القطاع.
إنّ أهم ما يميّز قوانين ومراسيم هذه المرحلة هو إعطاء الأولوية للقطاع الخاص على عكس المرحلة السابقة، وما يؤخذ على هذه القوانين والمراسيم من وجهة نظرنا،هو أنّها كانت جزئية و الدليل على ذلك التعديلات التي حدثت فيها.[6]
المطلب الثالث: القانون رقم 16-09 المتعلق بترقية الاستثمار
جاء نص القانون 16-09 المتعلق بترقية الاستثمار، ليطبق على الاستثمارات الوطنية والأجنبية مؤكدا على التوجه الذي طالما رغب المشرع الجزائري في تجسيده على أرض الواقع وهو إضفاء طابع المرونة على القواعد المنظمة للاستثمار في الجزائر.
أولا: الإطار العام للقانون رقم 16-09 المتعلق بترقية الاستثمار
ارتأى المشرع الجزائري إعطاء تعريف خاص بالاستثمار بموجب نص المادة الثانية من القانون 16-09 وجاء فيها " يقصد بالاستثمار في مفهوم هذا القانون، ما يأتي[7]:
- اقتناء أصول تدرج في إطار استحداث نشاطات جديدة وتوسيع قدرات الإنتاج و/أو إعادة التأهيل.
- المساهمة في رأس مال شركة.
كما حدد المشرع الجزائري في نطاق تطبيق القانون رقم 16-09 في نص مادته الأولى بحيث يطبق على الاستثمارات الأجنبية والوطنية المنجزة في النشاطات الاقتصادية لانتاج السلع.
ثانيا: الملاحظات المتعلقة بالقانون 16-09 المتعلق بترقية الاستثمار
يمكن إيجاز الملاحظات بخصوص القانون رقم 16-09 في التالي[8]:
- ألغى القانون 16-09 أحكام الأمر 01-03 المتعلق بتطوير الاستثمار باستثناء أحكام المواد 06، 18 و22.
- أخضع الاستثمارات الراغبة في الاستفادة من نظام المزايا المقررة في أحكامه، لإجراء التسجيل لدى الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار بنص صريح هو المادة 04 منه.
- استحدث القانون 16-09 ما يعرف بالمراكز الأربعة التابعة للشباك الوحيد اللامركزي للوكالة المنصب على مستوى مقر الولاية.
- أبقى على ممارسة الدولة لحقها في الشفعة لكن بشروط محددة، تضمنت بعضها المادتين 30 و31 من القانون.
الخاتمة:
من خلال ما سبق يمكن القول أنه بالنظر إلى مختف النصوص القانونية التي تمثل حاليا النظام القانون الاستثمار في الجزائر، ومن خلال مختلف التعديلات التي شهدها هذا النظام بداية من نص الدستور وتطبيقا له بموجب قانون الاستثمار، يتضح لنا أن المشرع الجزائري قد يذل جهدا لا يستهام به من أجل تطوير هذه المنظومة وفقا لحاجيات المتثمرين والاقتصاد الوطني بالتبعية لذلك.
قائمة المراجع:
أولا: المحاضرات
1) بن هلال نذير، محاضرات في مقياس قانون الاستثمار، لطلبة سنة الأولى ماستر، تخصص القانون العام الاقتصادي، قسم القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمن ميرة، بجاية، 2019-2020.
2) عزيزي جلال، محاضرات في مادة قانون الاستثمار، موجهة لسنة أولى ماستر، تخصص قانون أعمال، قسم الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد الصديق بن يحي، جيجل، 2019-2020.
3) بن عميور أمينة، محاضرات في مقياس قانون الاستثمار، لسنة أولى ماستر تخصص قانون الأعمال، 2020/2021
4) عماروش سميرة، محاضرات في قانون الاستثمار، مقدمة لطلبة ماستر 02، تخصص قانون الأعمال، قسم الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد لمين دباغين، سطيف 2، 2016-2017.
ثانيا: المواقع الإلكترونية
1) تطور قانون الاستثمار في الجزائر، مدونة إيلاف، روقب يوم 22/03/2022 ، على الساعة 10:14
https://elaphblogs.com/post/
الهوامش
[1] بن هلال نذير، محاضرات في مقياس قانون الاستثمار، لطلبة سنة الأولى ماستر، تخصص القانون العام الاقتصادي، قسم القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمن ميرة، بجاية، 2019-2020، ص 15.
[2] عزيزي جلال، محاضرات في مادة قانون الاستثمار، موجهة لسنة أولى ماستر، تخصص قانون أعمال، قسم الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد الصديق بن يحي، جيجل، 2019-2020، ص 17.
[3] بن عميور أمينة، محاضرات في مقياس قانون الاستثمار، لسنة أولى ماستر تخصص قانون الأعمال، 2020/2021، ص 18
[4] بن عميور أمينة، مرجع سبق ذكره، ص 19.
[5] تطور قانون الاستثمار في الجزائر، مدونة إيلاف، روقب يوم 22/03/2022 ، على الساعة 10:14
https://elaphblogs.com/post/
[6] المرجع السابق.
[7] عماروش سميرة، محاضرات في قانون الاستثمار، مقدمة لطلبة ماستر 02، تخصص قانون الأعمال، قسم الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد لمين دباغين، سطيف 2، 2016-2017، ص 50.
[8] المرجع السابق، ص 53.
