مناهج وصعوبات التربية المقارنة
مقدمة
إن التعليم المقارن هو مجال تعليمي يحلل نظام التعليم في بلد ما ببيانات وأنظمة من بلدان أخرى، كما يقوم بوضع سياسات لتطوير التعليم فهو يقوم على مقارنة بين النظرية والممارسة التعليمية الحالية بهدف توسيع وفهم مشاكل التعليم، وللبحث المقارن مجموعة من المناهج التي تسعى إلى تبسيط وتسهيل إجراءات البحث، غير أن هذه العملية تواجه العديد من الصعوبات التي تعرقل عملها والتي تستدعي البحث عن طرق لحلها، وعليه سنقوم بطرح الإشكالية التالية:
فيما تتمثل مناهج وصعوبات البحث في التربية المقارنة؟
والأسئلة الفرعية التالية:
- ما هي مناهج البحث في التربية المقارنة؟
- فيما تتمثل صعوبات البحث في التربية المقارنة؟
وللإجابة على هذه الأسئلة قمنا بتقسيم البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول: مناهج البحث في التربية المقارنة
المبحث الثاني: صعوبات البحث في التربية المقارنة.
المبحث الأول: مناهج البحث في التربية المقارنة
للتربية المقارنة أربعة مناهج مختلفة سنتناول كل منها في ما يلي:
المطلب الأول: المنهج التاريخي
قبل التطرق لمفهوم المنهج التاريخي في التربية المقارنة سنقوم أولا بتعريف التربية المقارنة والمنهج المقارن، حيث تعرف التربية المقارنة بأنها " الدراسة التحليلية للأنظمة التعليمية في البلدان الأجنبية المختلفة بغية الاسترشاد والاستفادة من هذه الدراسة في تطوير أو تعديل أو تغيير نظم تعليمنا المحلية، أو نظم دول أخرى بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية[1].
ويعرف المنهج المقارن " بأنه مقابلة الأحداث والآراء بعضها ببعض لكشف ما بينهما من وجوه شبه علاقة أو علاقة[2].
وعليه فإن المنهج التاريخي هو عملية من عمليات جمع البيانات وتقديمها بأسلوب موضوعي وتتصل هذه البيانات عادة بأحداث الماضي ويتم جمعها وتحليلها من أجل اختبار صحة الفروض الخاصة بالظاهرة التي تناولتها الدراسة أو أسباب تلك الحادثة أو تأثيراتها واتجاهاتها. فالمنهج التاريخي يعد منهج استردادي أو استرجاعي لأنه يحاول أن يسترد أو يسترجع ما جرت عليه أحداث التاريخ في مجرى الزمان.
ولهذا يعتبر هذا المنهج من المناهج الأساسية في الدراسات التربوية المقارنة، لأنه من غير المعقول أن يدرس الباحث الظاهرة التربوية التي تتضمنها دراسته دون أن يحاول الوقوف على الأصول التاريخية لها، حيث أن الوضع الراهن لهذه الظاهرة يعد تطورا لها. إن استخدام المنهج التاريخي لدراسة التربية جذب قادة التربية المقارنة خلال النصف الأول من القرن 20، وهذا الاهتمام بالتاريخ قاد إلى دراسة العوامل والقوى الثقافية المختلفة: السياسية، الاقتصادية، الاجتماع والتربوية في سياقها التاريخي التي أحدثت في كل مجتمع ما يمكن تسميته التقاليد القومية وأثرت بالتالي على نوع السياسات والنظم التعليمية[3].
وبهذا فإن المنهج التاريخي يؤكد على أن سياسات ونظم التعليم لا يمكن فهمها أو دراستها بمعزل عن البيئة الاجتماعية أو الثقافية التي توجد فيها أو بمعزل عن الأهداف السياسية والظروف الاقتصادية التي مرت بها.
المطلب الثاني: المنهج الوصفي
يقوم المنهج الوصفي أو الدراسات الوصفية على وصف الحقائق الراهنة المتعلقة بطبيعة الظاهرة أو الموقف، مع تفسير هذه الظاهرة تفسيرا كافيا، فهي تتجه إلى الوصف الكمي أو الكيفي للظواهر المختلفة بالصورة التي هي عليها للتعرف على تركيبها وخصائصها، وهناك العديد من النماذج للدراسات الوصفية منها:
1-الدراسات المسحية:
يعتبر المسح من المناهج الرئيسية التي تستخدم في البحوث التربوية، والدراسات المسحية تهدف إلى تحديد مكونات الظاهرة التعليمية والعلاقات بين أجزائها، وتأخذ الدراسات المسحية صورا وأشكالا متعددة في التربية المقارنة ومن أهمها ما يلي :
- الدراسات المسحية المقارنة لنظم التعليم في عدة دول .
- الدراسات المسحية المقارنة لنظم التعليم في دولة ما.
- الدراسات المسحية المقارنة لنظم التعليم في ولاية أو مقاطعة في دولة ما.
2- دراسة الحالة:
وهي دراسة متعمقة في حالة من الحالات و فحص العوامل المعقدة التي أثرت فيها الظروف المحيطة بها تحليل النتائج الناتجة عن ذلك، و قد تكون هذه الظاهرة مؤسسة أو هيئة تربوية قائمة أو قد يخص الأمر دراسة تاريخ مؤسسة من المؤسسات أو شخصيات تاريخية، وتأخذ أشكالا وصورا متعددة في مجال التربية المقارنة منها :
- دراسة الحالة المشكلة أو ظاهرة تربوية تعليمية في ولاية أو مقاطعة في دولة معينة
- دراسة الحالة لنظام التعليم في دولة ما
- دراسة الحالة لنظام التعليم في عدة دول
3- أسلوب تحليل النظم :
ويتضمن العمل بهذا الأسلوب تحليلا شاملا للنظام التعليمي، وبعدها يقترح الباحث تصميم جديد للنظام التعليمي ثم تقويم التصميم الجديد، وإعادة تحليل النظام و تقويمه في حالة عدم ملاءمته . وعليه فالدراسات الوصفية تعتبر أساسا مهما للدراسات التربوية المقارنة[4] .
المطلب الثالث: المنهج التحليلي
يعتبر أن النظام التعليمي لبلد ما له علاقة وثيقة بظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبسبب هذه العلاقة أصبحت الدراسة المقارنة ضرورية، وفي أي دراسة مقارنة علينا استخدام التحليل. لأنه من خلال التحليل يمكننا فصل العناصر المختلفة وفهم أهمية كل منها على حدة، كما يمكن أن تكون الطريقة التحليلية مفيدة فقط عند مقارنة المنظمات الاجتماعية والتعليمية[5].
المطلب الرابع: المنهج التجريبي
يعرف بأنه الطريق الذي يتبعه الباحث لتحديد مختلف الظروف والمتغيرات التي تخص ظاهرة ما والسيطرة عليها والتحكم فيها وملاحظة النتائج المترتبة عن ذلك وتحليلها وتفسيرها. ويعتمد الباحث على المنهج التجريبي عند دراسة المتغيرات الخاصة بالظاهرة محل الدراسة بغرض التوصل إلى العلاقات السببية التي تربط بين المتغيرات المستقلة والمتغيرات التابعة، تأثير أحد المتغيرات على نتائج التعليم في نظام إداري مركزي ولا مركزي.
وللمنهج التجريبي مجموعة من الخطوات نلخصها فيما يلي:
يتبع الباحث في الدراسات التربوية المقارنة عند استخدامه للمنهج التجريبي الخطوات التالية :
- التعرف على المشكلة و تحديدها
- صياغة الفروض استنباط ما يترتب عنها
- وضع تصميم تجريبي يتضمن جميع النتائج شروطها وعلاقاتها
- إجراء التجربة
- تنظيم البيانات الخام واختصارها
- تطبيق اختبار دالة مناسب لتحديد مدى الثقة في نتائج الدراسة إمكانية تعميم نتائجه.
ومن أنواع التصميمات التجريبية
- طرق المجموعة الواحدة
- طرق المجموعات المتكافئة
- طرق تدوير المجموعات
المبحث الثاني: صعوبات البحث في التربية المقارنة
إن عملية البحث في التربية المقارنة تواجهها العديد من الصعوبات سنلخص بعضها في الآتي:
المطلب الأول: عدم دقة وصعوبة تحليل الإحصاءات
إن التربية المقارنة تعتمد بشكل أساسي على الإحصائيات التي أحيانا لا تتوافر في كثير من البلدان وبصفة خاصة البلاد الغير متقدمة التي تكون أجهزة الإحصاء فيها متخلفة بشريا وآليا وفنيا مما يجعل هذه الإحصائيات تتسم بعدم الدقة كما أنها تكون غير منتظمة مما يجعل الكثير منها قديما وغير وافر، فإذا توفرت الإحصاءات يواجه الباحث مشكلة كبيرة وهي أنها أحيانا تعتمد على المبالغة ويكون المقصود منها الدعاية لدولة أو لأخرى ولا تعتمد على الواقع مما يجعل البيانات عاجزة عن مساعدة الباحث إلى الحقيقة المنشودة ، كما قد يواجه الباحث صعوبة في تحليل الإحصاءات بمعنى عدم قدرته على تفسير تلك الإحصاءات والأرقام لأنها جافة جامدة لا تفسر الواقع الذي ينشده الباحث .[6]
المطلب الثاني: مشكل اللغة والتحيز الشخصي
مشكل اللغة ويقصد بها لغة الدولة المراد دراسة نظامها التعليمي، بحيث يتوجب على الباحث الإطلاع على المصادر المختلفة الوقوف على ثقافة المجتمع وأن يكون متمكنا من أكثر من لغة أجنبية، أما مشكلة التحيز الشخصي فمعناه أنه لا ينبغي أن يكون الباحث متحيزا للنظام التعليمي الذي يدرسه أو للنظام القومي في وطنه، وأن لا يتأثر بأفكاره وعقائده الشخصية في تحليل تفسير المشكلات التي يبحث فيها[7].
المطلب الثالث: اختلاف المصطلحات المستخدمة
حيث تختلف هذه المصطلحات من بلد لآخر فالمدارس الثانوية تسمى بهذا الاسم في بعض الدول العربية وتسمى بالمدارس الإعدادية في بلاد عربية أخرى والمدارس العليا في أمريكا، والمدارس البريطانية المسماة بالمدارس العامة ليست هي المدارس العامة الموجودة في مختلف بلاد العالم كما يدل عليها اسمها وإنما هي المدارس الخاصة ذات المصروفات العالية، وهذا الاختلاف في المصطلحات يفرض على الباحث في التربية المقارنة الدقة والحذر أثناء دراسته للنظم التعليمية في البلدان المختلفة[8].
إن اختلاف المصطلحات المستخدمة في مجال التربية واختلاف مراحل التعليم وطول كل منها من دولة إلى أخرى يتطلب من الباحث اليقظة التامة وهو يترجم هذه المصطلحات ويقارنها بنظيراتها في الدول الأخرى التي يقوم بالدراسة المقارنة فيما بينها.
المطلب الرابع: التعميم
إن الدراسة المقارنة لنظم التعليم تتطلب الإلمام بعلوم كثيرة تربوية وغير تربوية. فهي تتطلب معرفة واسعة بالفكر التربوي وأصول التربية واقتصاديات التعليم والمناهج وطرق التدريس.....إلخ، إضافة إلى معرفة واسعة بالاقتصاد والسياسة والاجتماع والجغرافيا وعلم الإنسان والفلسفة....إلخ، وهذه العلوم ليست غاية للباحث إنما يستعين بها منتقيا منها ما يخدم بحثه.
الخاتمة
من خلال ما تم تناوله يتضح لنا أن هناك عدة مناهج للبحث المقارن في التربية منها البحث الإحصائي، التاريخي، التجريبي والتحليلي، ولكل منها مميزات وخطوات محددة تساعد الباحث وتسهل عليه أبحاثه وعملية جمعه للمعلومات والتي من بينها الوصف والتفسير، إلا أنها تواجه العديد من الصعوبات التي تعرقل عملية البحث والتي تستدعي ضرورة إيجاد حلول لها.
قائمة المراجع
أولا: الرسائل والمذكرات الجامعية
1- آلاء العتيبي، جاهر الحميزي وآخرون، صعوبات البحث في المقارنة، رسالة ماجيستر في إدارة وتخطيط تربوي، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الغمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية.
ثانيا: المجلات
1- نبيل سعد خليل، المنهج التاريخي أو الاستردادي في دراسة التربية المقارنة، مجلة التربية المقارنة الدولية، العدد3، أكتوبر 2015.
ثالثا: المحاضرات
1- عبدلي نور الدين، محاضرات في مقياس مناهج التربية والتدريب المقارن، معهد علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، جامعة مصطفى بن بولعيد، باتنة2، 2020-2021.
2- نوار سامية، محاضرات في التربية المقارنة، السنة ثانية علوم التربية، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي.
رابعا: المواقع الإلكترونية
1- أحمد جميل حمودي، التربية المقارنة: منهج البحث المقارن في التربية، روقب يوم 13-11-2021 على الساعة 21:46.
https://ahewar.org/
2- تامر الملاح، التربية المقارنة، روقب يوم 13/11/2021 على الساعة 23:30
https://kenanaonline.com/
3- نورهان ناصر، مناهج البحث في التربية المقارنة، روقب يوم، 13/11/2021 على الساعة 23:50.
https://almarsal.com/
الهوامش
[1] عبدلي نور الدين، محاضرات في مقياس مناهج التربية والتدريب المقارن، معهد علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، جامعة مصطفى بن بولعيد، باتنة2، 2020-2021، ص 3.
[2] أحمد جميل حمودي، التربية المقارنة: منهج البحث المقارن في التربية، روقب يوم 13-11-2021 على الساعة 21:46.
https://ahewar.org/
[3] نبيل سعد خليل، المنهج التاريخي أو الاستردادي في دراسة التربية المقارنة، مجلة التربية المقارنة الدولية، العدد3، أكتوبر 2015، ص ص 11-13.
[4] نوار سامية، محاضرات في التربية المقارنة، السنة ثانية علوم التربية، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي، ص 5.
[5] نورهان ناصر، مناهج البحث في التربية المقارنة، روقب يوم، 13/11/2021 على الساعة 23:50.
https://almarsal.com/
[6] آلاء العتيبي، جاهر الحميزي وآخرون، صعوبات البحث في المقارنة، رسالة ماجيستر في إدارة وتخطيط تربوي، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الغمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ص2.
[7] نوار سامية، محاضرات في التربية المقارنة، مرجع سبق ذكره، ص 9.
[8] تامر الملاح، التربية المقارنة، روقب يوم 13/11/2021 على الساعة 23:30
https://kenanaonline.com/
